تواجه المؤسسات الإخبارية حقيقة أن الإعلام الرقمي قد بدأ عملية نقل السلطة من رؤساء تحرير الصحف ومديري الأخبار الإذاعية إلى جمهورهم الذي كان في السابق سلبياً ومعتمداً عليهم. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف المحمولة في تسريع هذا التغيير، إذ مكّنت الجمهور من الحصول على أي معلومة تقريباً وقتما يشاء وعلى أي جهاز يستخدمه. واليوم، يتمتع الجمهور بحرية اختيار لم تكن متاحة له من قبل.
أصبح الجمهور اليوم يتمتع بالاستقلالية عن علاقته السابقة القائمة على التكافل مع أي جهة إعلامية أو مسوّق أو مدير اتصالات. هذه الاستقلالية تمنح الجمهور القدرة على التواصل فيما بينهم، مما يُغيّر تدفق المعلومات بشكل جذري. لا يزال أمامنا الكثير لنتعلمه حول كيفية العمل في ثقافة يمتلك فيها الجمهور القوة التي كانت حكرًا على المحررين ومديري الاتصالات، الذين كانوا في السابق "صانعي القرار" وحراس البوابة.
في الماضي، كانت الطريقة المُتبعة لإعلام الجمهور هي التواصل معهم (لا معهم) وفق نموذج "من واحد إلى كثيرين"، حيث يتدفق المعلومات من المصدر في مسار أحادي الاتجاه تقريبًا إلى أفراد الجمهور. لم يكن الأفراد على تواصل فيما بينهم، ولم يكونوا يعرفون بعضهم بعضًا، ولم يتواصلوا فيما بينهم. كما أنهم نادرًا ما كانوا يتواصلون مع المؤسسة، وبجهد كبير فقط. لم تكن هناك آلية فعّالة للتغذية الراجعة، ولا ردود فعل فورية.
يُتيح نموذج التواصل هذا بيئةً ملائمةً لأسلوب إدارة هرمي استبدادي، حيث يتدفق السلطة في اتجاه واحد من القائد إلى الموظفين، مما يُحاكي تدفق المعلومات من المصدر إلى الجمهور. وقد أدى الجمع بين نموذج التواصل من واحد إلى كثير، والهيكل التنظيمي الهرمي، إلى خلق ثقافةٍ تفتقر إلى التغذية الراجعة للقادة، الذين يُمكنهم بالتالي العمل وكأن الجمهور غير موجود. وأصبح قادة المؤسسة مرتاحين لعدم الحاجة إلى إشراك الجمهور بشكل مباشر في عملية صنع القرار.
مثال من صحيفة
يجتمع محررو الصحف يوميًا لاختيار أفضل القصص لعدد اليوم التالي، وخاصةً الصفحة الأولى. كما يجتمعون أسبوعيًا لمناقشة عدد الأحد أو الإصدارات الخاصة. ويستندون في ذلك إلى خبرتهم الصحفية ومعرفتهم بالمجتمع لتحديد، على سبيل المثال، ما إذا كان مقال الأحد المتعمق يجب أن يتناول ازدياد الجريمة أو ربما التنوع المتزايد في المجتمع. ولأكثر من مئة عام، بدت هذه العملية ناجحة. ولكن مع ظهور الإعلام الرقمي، ثم عبر الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح بإمكان الجمهور التواصل فيما بينهم والتحدث مباشرةً مع المؤسسة الإخبارية، فتحوّل نموذج التواصل من "واحد إلى كثير" إلى "كثير إلى كثير". ويتطلب هذا النموذج الجديد سلوكًا جديدًا من المؤسسات الإخبارية.
أصبح بإمكان الجمهور الآن مناقشة الأمور فيما بينهم دون إقحام المؤسسة الإخبارية أو الشركة في الحوار. وسرعان ما تحوّل دور المحررين وقادة الاتصالات من كونهم المصدر الوحيد للمعلومات التي تصل إلى الجمهور إلى احتمال تجاهلهم أو استبعادهم.
بالنسبة للمحررين الذين اعتادوا تحديد ما يعرفه الجمهور ومتى، شكّل ظهور جمهور مستقل، متمكن، ومتصل بشبكة واسعة، لا يحتاج إلى المؤسسة الإخبارية للحصول على معلوماته، صدمة ثقافية. يتطلب نموذج "التواصل المتعدد" طرقًا جديدة للتفكير في دور المؤسسة الإخبارية ضمن منظومة معلوماتية جديدة، حيث يمكن للجمهور استخدام الوسائط المتنقلة للحصول على المعلومات التي يريدها، متى شاء، وأينما كان، وعلى أي جهاز يستخدمه.
هذا يجعل الجمهور عنصرًا مستقلًا وقويًا في قلب منظومة المعلومات. اضطر المحررون إلى تغيير طريقة تفكيرهم بشكل جذري وسريع حول كيفية التواصل مع الجمهور. بات على المحررين ومديري الاتصالات تعلم كيفية بناء شراكات مع الجمهور الذي اعتادوا مخاطبته. كما لم يعد عليهم التخمين بشأن اهتمامات الجمهور، بل أصبح بإمكانهم طرح الأسئلة والحصول على إجابات فورية.
تعلم التحدث بلغة التواصل الاجتماعي بدون لكنة
لا تتحقق فوائد النظام المعلوماتي الجديد الذي أوجدته وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف المحمولة إلا إذا تقبلتَ الثقافة الجديدة التي تُنشئها وتفاعلتَ معها. إنشاء صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي ليس كافيًا. إن إنشاء حساب على تويتر وصفحة على فيسبوك للترويج لقصصك أو مشاريعك هو مجرد إضافة أدوات جديدة دون إدراك أن طبيعتها الاجتماعية المتأصلة تتطلب منك التغيير لك الطبيعة، طريقة عملك. إن إضافة تقنيات جديدة دون المشاركة في الثقافة الجديدة التي تخلقها يُعد تقدماً جزئياً. يدرك الجمهور أنك تحاول، لكنهم يدركون أيضاً أنك لستَ مُلِماً بهذا الأمر، وأنك لا تستخدمه بالطريقة التي يستخدمونها بها. الأمر أشبه بإلقاء خطاب باللغة الإنجليزية بلكنة روسية أو صينية أو فرنسية ثقيلة. يستطيع الجمهور فهمي، لكن عليهم بذل بعض الجهد، وهم يعلمون أنني لستُ متحدثاً أصلياً. هكذا تبدو محاولات العديد من المؤسسات الإخبارية على وسائل التواصل الاجتماعي للجمهور الشاب. نحن نتحدث عن وسائل التواصل الاجتماعي بلكنة ثقيلة.
لا تُعدّ وسائل التواصل الاجتماعي مجرد تقنيات تُضاف إلى غرف الأخبار، بل تُغيّر ثقافة العمل التي تسعى هذه الغرف إلى تحقيق فعاليتها. فهي تتطلب مشاركة فعّالة من الجمهور، وتتضمن بنىً شبكية متعددة للتواصل، وتفرض ثقافةً تُعلي من شأن جمهورٍ نشطٍ ومتفاعلٍ ومُتمكّن، وهو ما لم تكن المؤسسات الإخبارية مضطرةً لبذل الجهد الكافي لجذبه من قبل.
بالعودة إلى مثال اجتماعات كتابة التقارير الصحفية، يستطيع المحررون الذين يستفيدون من ثقافة وسائل التواصل الاجتماعي التعاون مع جمهورهم لفهم اهتماماتهم بشكل أفضل، دون الحاجة إلى التخمين. بإمكان المؤسسات الإخبارية أن تسأل جمهورها عبر تويتر أو فيسبوك أو إنستغرام عما يرغبون في أن تتناوله في تقاريرها. وبالتالي، يمكنها إعداد تقارير تجيب على تساؤلات الجمهور، وطلب مصادر موثوقة، والتعاون مع الجمهور للحصول على الأفكار والمصادر. يُعزز هذا التعاون ثقة الجمهور في المؤسسة ورسالتها. إلا أن هذا النهج لا يزال غريباً نسبياً على المؤسسات التي تعتمد في جوهرها على الإدارة المركزية ونماذج التواصل من طرف واحد إلى عدة أطراف.
يتعين على مؤسسات الاتصالات أن تدرك أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست مجرد أداة أخرى تُستخدم بنفس الطريقة وللغرض نفسه الذي تُستخدم به جميع أدواتها وتقنياتها الأخرى. لقد غيرت هذه الوسائل طريقة الوصول إلى الجماهير، فهي وسيلة غير مباشرة (للتسويق) وأخرى مباشرة (للتفاعل) للوصول إلى الشباب.
معاينة بموعد مسبق؟ لماذا؟
لم يعد جيل الشباب اليوم يلتزم بمواعيد محددة للحصول على المعلومات كما كان يفعل الجيل السابق عندما كان يطلب توصيل صحيفة أو يجلس في وقت محدد لمشاهدة الأخبار التلفزيونية. يثق شباب اليوم، جمهورنا المستقبلي، بوسائل التواصل الاجتماعي لمعرفة ما هو مهم. يشعرون بالراحة في انتظار وصول الأخبار إليهم، فهم يعلمون أنهم ليسوا بحاجة للبحث عنها. يعلمون أنه في حال وقوع أحداث هامة، سيخبرهم بها أشخاص مختلفون في شبكاتهم الاجتماعية. تنشر الشبكات الاجتماعية المعلومات في الوقت الفعلي، لذا فإن الشباب الذين نادرًا ما يقرؤون صحيفة ورقية يكونون على اطلاع أسرع بالأخبار الهامة من آبائهم أو أجدادهم الذين ينتظرون الصحيفة على عتبة منازلهم أو نشرة الأخبار المسائية.
يُتيح استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر للأخبار ميزة الحصول على المعلومات من أشخاص تثق بهم مسبقًا، وقد اخترتَ بالفعل الانضمام إلى شبكتك. تُعدّ الأخبار الواردة من شبكتك الاجتماعية حلًا لانعدام ثقة الكثيرين في المؤسسات الإخبارية والرسمية. فالأخبار من أشخاص تعرفهم تحظى بثقة أكبر من الأخبار الصادرة عن مؤسسة لم تربطك بها أي علاقة. يكمن التحدي في كيفية استفادة المؤسسات الإخبارية من ذلك، إذ عليها أن تبدأ بالتحدث بلغة وسائل التواصل الاجتماعي.
يجب منح الثقة للموظفين الجدد والشباب بناءً على معرفتهم بثقافة وسائل التواصل الاجتماعي التفاعلية والتشاركية، وليس فقط على قدرتهم على التغريد وتحديث صفحة الفيسبوك. تُعدّ وسائل التواصل الاجتماعي أدوات جديدة تُساعد الصحفيين ذوي الخبرة أو مديري الاتصالات على جمع المعلومات بطرق مبتكرة أو نشر قصصهم الموثقة والمُدققة على منصات جديدة. تحتاج المؤسسات التقليدية إلى قدرة الشباب على تعلّم كيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بأسلوب أكثر سلاسة. يمكن للموظفين الشباب الجدد مساعدة المؤسسات الإخبارية التي تثق بالشباب وتُطبّق التغييرات التي يُمكنهم إحداثها في منظومة المعلومات داخل المؤسسة.