شهدنا خلال الأشهر القليلة الماضية عمليات استحواذ كبيرة في مجال النشرات الإخبارية، مثل استحواذ Business Insider على Morning Brew، واستحواذ Twitter على Revue. بالإضافة إلى ذلك، وفي الفترة نفسها، وسّعت شركات إعلامية مثل Forbes وFacebook نطاق خدماتها بإطلاق منصات للنشرات الإخبارية. فلماذا تستثمر كل هذه الشركات الإعلامية - التقليدية منها والاجتماعية - الآن في وسيلة إعلامية موجودة منذ أكثر من 30 عامًا؟ باختصار، نحن أمام مزيج فريد من التكنولوجيا وتوجهات المستهلكين، وتُعدّ النشرات الإخبارية عبر البريد الإلكتروني في قلب هذا المزيج. إليكم ثلاثة أسباب رئيسية وراء رواج النشرات الإخبارية حاليًا.
يرغب الجمهور في مزيد من التحكم في المحتوى الذي يستهلكونه
من خدمات بث الفيديو والصوت إلى منصات التواصل الاجتماعي، تُشجع عادات استهلاك الوسائط اليوم المحتوى المتخصص، والذي يُمكن استهلاكه بسهولة في أي وقت وأي مكان. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن هذا المحتوى موثوق به دائمًا. فالناس يرغبون بمعرفة مصدر المعلومات التي يتلقونها. وقد برز هذا القلق بشكل أكبر خلال جائحة كورونا، حيث كان الحصول على معلومات دقيقة مسألة حياة أو موت.
مع تزايد أهمية الثقة، تضررت منصات التواصل الاجتماعي بشدة. في الواقع، وفقًا لموقع Statista، يعتقد 89% من الأمريكيين أن وسائل التواصل الاجتماعي مسؤولة عن انتشار الأخبار الكاذبة. وهذا منطقي، فمن الصعب معرفة ما إذا كانت الوسيلة الإعلامية التي نتفاعل معها "مصدرًا موثوقًا" عندما يتم الترويج لها بواسطة خوارزمية أو من قِبل شخص عنصري. ولحماية أنفسهم من المعلومات المضللة، يختار المستهلكون الاشتراك لتلقي محتوى من مصدر يعرفونه ويثقون به. وهنا تبرز أهمية النشرات الإخبارية عبر البريد الإلكتروني.
تُلبي النشرات الإخبارية عبر البريد الإلكتروني جميع المتطلبات: فهي تعتمد على المشتركين: حيث اختار المستهلك استلامها ويعرف أن المصدر جدير بالثقة، ويمكنها توفير محتوى متخصص ومتعمق يهم المستهلك، ويمكن استهلاكها في أي وقت، عبر أي جهاز.
يرغب الناشرون في إقامة علاقات مباشرة أكثر مع الجمهور... وبياناتهم
بالنسبة للناشرين، توجد فوائد عديدة لتطوير برنامج بريد إلكتروني للتفاعل مع المستهلكين. أولها يتعلق بالمحتوى، حيث تُعدّ قناة البريد الإلكتروني وسيلة تواصل مباشرة تُمكّن الناشرين من الوصول إلى قرائهم دون الحاجة إلى الاعتماد على جهات خارجية، مثل منصات التواصل الاجتماعي، لتوزيع المحتوى نيابةً عنهم. كما أن النشرات الإخبارية عبر البريد الإلكتروني أقل تكلفة وأسهل إنتاجًا من أنواع المحتوى الأخرى، كالفيديوهات أو البودكاست، مما يُقلل من مخاطر تجربة الناشرين لأساليب جديدة لزيادة تفاعل القراء وعائد الاستثمار.
أما الجانب الثاني فهو تحقيق الربح، والذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحديد الهوية. مع توقف جوجل كروم عن استخدام ملفات تعريف الارتباط التابعة لجهات خارجية في أقل من عام، يُضاعف الناشرون جهودهم لجمع بيانات الطرف الأول (وخاصةً عنوان البريد الإلكتروني) لمواصلة تحقيق الربح من جمهورهم. وبالطبع، يُعدّ تشجيع الناس على الاشتراك في النشرات الإخبارية عبر البريد الإلكتروني وسيلةً رائعةً لجمع هذه البيانات! فعندما يعرف الناشرون جمهورهم، فإن حركة المرور على الموقع الناتجة عن النشرة الإخبارية المسجلة تُمكّنهم من فرض رسوم إضافية على المعلنين مقابل مساحاتهم الإعلانية. بالإضافة إلى ذلك، تُساعد طبيعة النشرات الإخبارية التي تتطلب تسجيل الدخول في بيع الاشتراكات. ويمكن للناشرين الذين لديهم فهمٌ لسلوك القراء تطبيق نظام دفع ديناميكي، حيث ينتظرون حتى يكون احتمال تحويل الاشتراكات إلى أعلى مستوياته قبل تفعيل هذا النظام.
يرغب المعلنون في وسائل إعلام توفر لهم جمهورًا مناسبًا وأداءً قابلاً للقياس
لا يقتصر نفع البريد الإلكتروني على الناشرين فحسب، بل يُفيد المعلنين أيضاً. فعموماً، يسعى المعلنون دائماً للتواجد حيث يتواجد جمهورهم، وكلما زاد توافق المحتوى مع هوية علامتهم التجارية، كان ذلك أفضل. ومع ازدياد عدد المشتركين في النشرات الإخبارية عبر البريد الإلكتروني، وبدء المزيد من شركات الإعلام بإنتاجها، سنشهد تحولاً في ميزانيات المعلنين نحو البريد الإلكتروني. صحيح أن النشرة الإخبارية لن تصل إلى مستوى انتشار صفحات التواصل الاجتماعي أو الصفحات الرئيسية، إلا أنها تتميز بميزة أثمن: مستوى أعلى من تفاعل الجمهور واهتمامه، لأن هذا المحتوى نابع من اشتراك الجمهور وتفاعله الواعي. وقد شهدنا هذا التوجه سابقاً مع البودكاست، وتُثبت شركات مثل Morning Brew وThe Bustle نجاحه الآن من خلال النشرات الإخبارية.
علاوة على ذلك، حتى عند شراء مساحات إعلانية لأغراض بناء العلامة التجارية، يهتم المعلنون بالأداء وإمكانية قياسه. وبما أن البريد الإلكتروني، مثله مثل وسائل التواصل الاجتماعي، قناة تتطلب تسجيل الدخول، فإنه يوفر استهدافًا أكثر دقة، وتحسينات قائمة على الأهداف، وقياسات أكثر موثوقية، ورؤى أعمق حول الجمهور، لا سيما عندما يمتلك المعلن برنامج بريد إلكتروني قويًا خاصًا به.
وهذا يقودنا إلى السبب الأخير الذي يجعل البريد الإلكتروني خيارًا جذابًا للمعلنين: فهو آمنٌ في المستقبل، خاصةً مع اقتراب نهاية عصر ملفات تعريف الارتباط. ولأن البريد الإلكتروني يعتمد على تسجيل الدخول وليس على ملفات تعريف الارتباط، فلن يتأثر بفقدان ملفات تعريف الارتباط الخاصة بالجهات الخارجية، مما يجعله استثمارًا آمنًا لاستهداف الجمهور وقياس الأداء على المدى الطويل.
مع اقترابنا من الموعد النهائي لإلغاء ملفات تعريف الارتباط، نتوقع زيادة الاستثمارات في النشرات الإخبارية عبر البريد الإلكتروني. لم يمضِ سوى شهرين من عام 2021، ومن الواضح أن المستهلكين والناشرين والمعلنين متفقون على أن هذه الوسيلة الإعلامية، التي مضى عليها ثلاثون عامًا، هي مستقبل الإعلام.