ماذا يحدث:
يشعر العديد من الصحفيين اليوم بالقلق حيال تأثير الذكاء الاصطناعي على أمنهم الوظيفي. فمع قدرة الحواسيب على توليد كم هائل من المحتوى - من الطقس ونشاط سوق الأسهم إلى الرياضة وأداء الشركات - يستطيع الذكاء الاصطناعي في كثير من الأحيان إنتاج تقارير أكثر دقة وشمولية من التقارير الصحفية البشرية. إذ يمكن للبرمجيات استخلاص البيانات بشكل فوري من مصادر متعددة، والتعرف على الأنماط، وصياغة تقارير مكتوبة معقدة قادرة حتى على تجسيد المشاعر. ومع ذلك، فبدلاً من الخوف من أن يتسبب الذكاء الاصطناعي في فقدانهم لوظائفهم، ينبغي على الصحفيين أن يتقبلوه باعتباره منقذًا لمهنة الإعلام
تقول مؤسسة المجتمع المفتوح (OSF)يمكن للآلات الذكية أن تعمل جنباً إلى جنب مع الصحفيين البشريين، مما يُمكّنهم من تغطية العالم المتزايد التعقيد والغني بالمعلومات بشكل أفضل، وتعزيز إبداعهم وتقاريرهم وقدرتهم على إشراك جمهورهم.
تقول مؤسسة المجتمع المفتوح إن الذكاء الاصطناعي يمكنه العمل مع الصحفيين البشريين لزيادة جودة التغطية الإعلامية بطرق متنوعة:
- بفضل اتباع أنماط البيانات المتوقعة وبرمجتها على "تعلم" الاختلافات في هذه الأنماط بمرور الوقت، يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي أن تساعد الصحفيين في ترتيب وفرز وإنتاج المحتوى بسرعات لم تكن متوقعة من قبل.
- يمكن للذكاء الاصطناعي تنظيم البيانات لإيجاد حلقة مفقودة في قصة استقصائية.
- يمكن للذكاء الاصطناعي تحديد الاتجاهات واكتشاف الحالات الشاذة بين ملايين نقاط البيانات، مما يُمكّن الصحفيين من الكشف عن بدايات سبق صحفي كبير.
- يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل كميات هائلة من البيانات للمساعدة في إجراء التحقيقات في الوقت المناسب، ويمكنه أيضاً المساعدة في تحديد مصادر القصص والتحقق من صحتها.
- يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي أيضاً أن تساعد الصحفيين في إعداد نسخ أولية من مقاطع الفيديو، والتعرف على أنماط الصوت، وتحديد الوجوه في الحشود، والتحدث مع القراء.
قيود الذكاء الاصطناعي
كما تقول مؤسسة المجتمع المفتوح، فرغم كل ما توفره تقنيات الذكاء الاصطناعي من إمكانيات، إلا أنها لا تزال تعاني من قيود تتطلب تدخلاً بشرياً. لا يمكن إتمام العملية برمتها دون وجود صحفي بشري قادر على تحليل البيانات وطرح الأسئلة المناسبة. يكمن الحل في التعاون، الذي يتيح فرصاً كبيرة للتعلم المتبادل، مع بعض التجارب والأخطاء التي لا مفر منها. يمكن أن يكون استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي مفيداً للغاية للصحفيين حول العالم، الذين غالباً ما يفتقرون إلى هذه البيانات والبرامج. بإمكان غرف الأخبار الصغيرة والصحفيين المستقلين تعويض هذا النقص في الموارد من خلال التعاون مع مطوري البرامج والاستفادة من العديد من أدوات البحث والتحليل مفتوحة المصدر المتاحة.
التحديات الأخلاقية
لكن في هذا التعاون بين التكنولوجيا والصحافة، تبرز بعض الاعتبارات الأخلاقية
. قد تُضلل الخوارزميات أو تُخادع، لأنها لا تعمل بمعزل عن الواقع، بل هي مُبرمجة من قِبل البشر، الذين ربما أدخلوا تحيزاتهم وأنماطهم المنطقية الخاصة في النظام. ولا يزال الصحفيون بحاجة إلى استخدام أساليب التحقق من المصادر والتحقق من الحقائق التقليدية عند التعامل مع نتائج الذكاء الاصطناعي، تمامًا كما هو الحال مع أي شيء آخر.
صحيفة الغارديانفعلى سبيل المثال، اقترح بندًا جديدًا في مدونة قواعد السلوك الخاصة بالصحيفة
معالجة استخدام الذكاء الاصطناعيتُعدّ الشفافية قضية أخلاقية أخرى. ويقول إن هذا المبدأ الأساسي للصحافة غالباً ما يتعارض مع الذكاء الاصطناعي، الذي يعمل عادةً في الخفاء
ناوسيكا رينر، المحرر الرقمي لمجلة كولومبيا للصحافة. يجب أن تكون وسائل الإعلام شفافة بشأن الكشف عن البيانات الشخصية التي تجمعها، وأن تحذر من الانحياز الشديد إلى ذوق كل قارئ الشخصي، كما تكشفه البيانات، لدرجة أنها تغفل عن تغطية القضايا العامة المهمة.
الخلاصة:
يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُحدث نقلة نوعية في الصحافة، ولكنه يُثير في الوقت نفسه تحديات جديدة في مجالي التعلّم والمساءلة. فبدلاً من الخوف من الذكاء الاصطناعي، يُمكن للصحفيين استخدامه لتحسين تقاريرهم؛ ومع ذلك، يجب عليهم التحلي بالشفافية في كيفية استخدامهم للخوارزميات لاكتشاف الأنماط أو معالجة الأدلة المتعلقة بالقصة. كما لا ينبغي للصحافة النزيهة أن تعتمد على البيانات التي يُوفرها الذكاء الاصطناعي، بل عليها الاستمرار في سرد القصص التي لا تكشفها التكنولوجيا والبيانات. وكتبت ماريا تيريزا رونديروس، مديرة برنامج الصحافة المستقلة: "بدون أخلاقيات، قد تُنذر التكنولوجيا الذكية بزوال الصحافة. فبدون أهداف واضحة، وعمليات شفافة، ومصلحة عامة كبوصلة، ستفقد الصحافة مصداقيتها لدى الناس، مهما كثرت الرسوم البيانية والبرامج الآلية والتقنيات المُستخدمة في تزيينها"